في صُحُفِ اليَوْمِ ثلاثُ مَقالاتٍ، على الأقلّ، يُحاوِلُ كتّابُها، كلٌّ على طريقَتِهِ، أي على مِقدارِ فَهْمِهِ لـ«السّياسَة» أنْ يَقْرأَ في كَفِّ ما آلَتْ إلَيْهِ الصِّلَةُ بَيْنَ «لبنان» وبَيْنَ «حزب الله». ولَيْسَ عَفْوًا أنْ أحْتاطَ فأحْصُرَ لبنان وحزب الله بِعَلاماتٍ فارِقَة؛ فمفادُ لبنانَ، في هذا المَقامِ، لا يَتَدَنّى التباسًا عَنْ المَقْصودِ بحزب الله والعَكْسُ صحيح.

 

المقالَةُ الأولى، والأخَفُّ في ميزانِ التَّحْليلِ والقِراءةِ هي المَنْشورَةُ في الجُمهوريَّة بِتَوْقيعِ طوني عيسى والمُعَنْوَنَةُ «إلى أيِّ حدٍّ يُمسِكُ "حزب الله" بالقَرارِ في لبنان؟». يَنْقُلُ عيسى في هذه المَقَالَةِ مَوْقِفَ «النّوستالجيين» مِنَ الـ 14 آذارِيين المُمْتَعِضينَ مِنْ التَّنازُلاتِ المُتَتالِيَةِ التي يُقَدِّمُها رِفاقُهُم الآخِذونَ بـ«الواقعيَّة السياسيَّة» لحزبِ الله، ثم يُعَرِّجُ على حَفاوَةِ حزب الله في اسْتِقْبالِ هذه التَّنازُلات، («نَعَم، نحن انْتَصَرنا، ومَن لا تُعْجِبُهُ هذه الحقيقةُ فليفعل ما يشاء»)، قَبْلَ أنْ يَخْتِمَ، مُطَمْئِنًا نَفْسَهُ وقُرّاءَه، بما فَحْواهُ أنَّ لبنانَ اليومَ تَحْتَ نُفوذٍ أميركي/إيراني مُشْتَرَك الأرْجَحِيَّةُ فيه للولايات المتحدة («ما يَرْفُضُهُ اﻷميركيّون هو أنْ يُحاوِلَ "الحزب" اسْتِثْمارَ التَّغْطيَةِ الدَّوليَّةِ [للحَرْبِ على الإرهاب] لكي يُتيحَ لإيرانَ وَضْعَ يَدِها على الجَيْشِ والسُّلْطَة في لبنان. فالدَّوْرُ الميدانيُّ الموضعيُّ [في الحَرْبِ على الإرهاب] هو الحَدُّ اﻷقصى المسموحُ به، وخارِجَ ذلك، حَرْبُ واشنطن على "الحِزْب" مُسْتَمِرَّة»).

 

المقالَةُ الثانِيَةُ، هي المَنْشورَةُ في النهار بِتَوْقيعِ إيلي الحاج تَحْتَ عنوان: «أخطاء عربيَّة وخليجيَّة ساهَمَتْ في هَيْمَنَةِ حزب الله ــ الحلفاءُ في "انتفاضة الاستقلال" غَلَّبوا حساباتِهِم وضاعوا». لا جديدَ في هذه المقالَةِ سوى تَوْقيتُها واقْتراحُها، في مَعْزِلٍ مِنْ أيَّةِ أسبابٍ مُوجِبَةٍ، تَسْمِيَةَ «هَيْمَنَة» لاسْتِعْلاءِ «حزب الله» على «لبنان».

 

المقالة الثّالثةُ، والأوْلى عندي بالقِراءَة،ِ هي المَنْشورَةُ في «المستقبل» بِتَوْقيعِ وسام سعادة تحت عنوان: «"حزب الله" وحِساباتُ الهَيْمَنَةِ المُسْتَحيلَةِ». ولَيسَتْ بالأوْلى عِنْدي بالقِراءَةِ لأنها تُتابِعُ مُناوَشَةً فيسبوكيَّةً كُنْتُ طَرَفًا فيها فقط، بل لأنَّها تَقْتَرِحُ مَجْموعَةَ مُقَدِّماتٍ واستِدلالاتٍ تَسْتَحِقُّ التَّعْليقَ عَلَيْها.

 

أولى هذه المُقَدِّماتِ، وحَقُّها الأوَّليَّةُ على بَداهَتِها، هي ما يُلاحِظُه سعادة مِنْ عِيٍّ مُؤكَّدٍ في تَسْمِيَةِ اسْتِعلاءِ «حزب الله» على «لبنان» («ينبغي الاعترافُ [...] بأنَّه لم تُوجَد كَلِمَةٌ ذهبيَّةٌ [...] لتَوْصيفِ حالَةِ الغَلَبَةِ التي عَمِلَ "حزب الله" على توطيدِها بألفِ وسيلةٍ في أعْقابِ الجَلاء السّوري»). وإذ يُصيبُ سعادة في هذه الملاحَظَةِ فَسَهْمُهُ يَطيشُ عِنْدَما يَنْصُبُ هذا العِيَّ في مُقابِلِ «التَّلاقي» على «تَعْريفِ الاسْتِتْباعِ الذي كان يُمارِسُهُ النِّظامُ السّوريُّ على لُبنانَ بالوِصايَةِ»؛ وهو يَطيشُ لِثَلاثَةٍ يتغاضى عَنْها تَسَرُّعًا أو مُجامَلَةً: يتغاضى أوَّلًا عن أنَّ «الوِصايَةَ»، (ولَعَلَّ وليد جنبلاط هو من أطْلَقَ هذه التَّسْمِيَةِ على مَرْحَلَة 1990 ـ 2005)، تَسْمِيَةٌ هي نَفْسُها في مَحَلِ «تَنازُل»، (ومِصْداقُهُ أنَّ حزبَ الله نَفْسَهُ لا يرى فيها غَضاضَةً)، ويَتَغاضى ثانِيًا عن أنَّ «التَّلاقي» الذي يُشيرُ إليه هو تَلاقٍ أسْقَطَ مِنْ حُسْبانِهِ ابْتِداءً جُمهورَ اللبنانيين الشّيعَة، وأنَّه، بهذا المعنى «تَلاقٍ مُعْتَلّ»، ويتغاضى ثالِثًا عَنْ أنَّ حزبَ الله لم يَنْتَظِر جَلاءَ الجَيْشِ السّوريّ ليُباشِرَ تَوْطيدَ ما يُسمّيه «الغَلَبة» ــ ولو أنَّ أعْمالَ التَّوْطيدِ هَذِهِ بانَتْ، «على حَقيقَتِها»، لكثيرٍ مِنَ اللبنانيين بَعْدَ ذلك الجَلاء.

 

ثاني هذه المُقَدّماتِ، ولَعَلَّها مِنَ الأخْطاءِ اللبنانيَّة الشّائعة بامْتياز، هي تَشْخيصُ تَمَدُّدِ حزبِ الله في «الجِسْمِ اللبناني»، (في الطائفة (الشيعيَّة)، في مُؤسَّساتِ الدَّولة، في الجغرافيا، إلخ...)، بالإحالَةِ إلى لُبنانَ ومفرداتِه، لا بالإحالة إلى «المشروعِ» العابِرِ الحُدودَ (الوَطَنِيَّةَ) الذي لم يُنْكِر حزبُ الله يومًا ولا يُنْكِرُ أنَّه جزءٌ لا يَتَجَزَّأ مِنْه. ولَعَلَّ هذه المقدمةَ الثانيةَ فَرْعٌ على بعضِ ما تتغاضى عنه المُقَدِّمة الأولى، أعني أنَّ حزبَ الله لم يَنْتَظِر جَلاءَ الجَيْشِ السّوريّ ليُباشِرَ توطيدَ اسْتِعْلائِه. ومِنْ أظْرَفِ ما يَكونُ أن سعادة يَنْتَهي، في سِياقِ وَصْفِهِ هذا التَّمّدُّدّ وتَشْخيصَه، إلى أنَّ «[حزبَ الله] يتعامَلُ مع التَّناقُضاتِ بين الطوائِفِ، وداخِلَ كُلٍّ مِنْها بفعالية تقتربُ مِنْ أنْ تكونَ فعالية كولونياليَّة»، ولا يُلقي بالًا إلى أنَّ هذه «الكولونياليَّة» صِفَةٌ تَكْوِينيَّة مِنْ صِفاتِ حزبِ الله ولَيْسَتْ بالصِّفَةِ العارِضَةِ التي يبقى حزبُ الله هو هو إنْ نُزِعَت عنه!

 

ثالِثُ هذه المُقَدِّماتِ، وكأني بها الأحَدُّ خِلافِيَّةً، هي التي مَدارُها على حُدودِ ما يَنْبَسِطُهُ اسْتعلاءُ حزبِ الله، وعلى ما يُعَوَّلُ عليه أو لا يُعَوَّلُ مِنْ «وَحْدَةِ/وَحْدات قِياسٍ» لِكَيْلِ هذا الاسْتِعْلاء. على العموم، لا ما يُقالُ في الأدواتِ النَّظريَّة التي تَقْتَرِحُها المقالةُ لِقراءةِ اسْتِعلاءِ حزبِ الله وكَيْلِهِ (تفاوت الاسْتِعلاء جغرافِيًا، «السيطرة» # «الهيمنة»، «حركة توتاليتاريَّة» # «نظام توتاليتاري»)، ولكنَّ التَّسْليمَ بِوَجاهَة هذه الأدَواتِ، ووجاهَةِ التَّوَسُّلِ بِها، لا يُخَفِّضُ في شَيء مِنْ بَعْضِ ما يُرادُ مِنَ وراءِ الاستعانَةِ بهذه الأدواتِ نَفْيُه/إثباتُه: قد لا تكونُ وطأةُ حزب الله، (هيمنته، غلبته، استعلاؤه) على سائِرِ اللبنانيين هي هي ولكنَّ مُؤدّى هذا التَّفاوُتِ، على ما يَبْدو، ليس خِلافًا في الرَّأي لا يُفْسِدُ في الوُدِّ قَضِيَّةً، بل مُؤدّاه خلافٌ (عميقٌ) على تَرتيبِ الإلْحاحاتِ، (واسْتِطرادًا على ترتيب «مَهام المرحلة»)؛ ومِنْ آياتِ هذا الخِلافِ أنْ يُزيَّنَ للبَعْضِ، (لكاتِبِ هذه المقالَةِ مَثَلًا)، أن يُقيموا أنْفُسَهُم «أطبّاءَ اجتماعِيّين»، وأن يُشَخِّصوا لدى آخرين عوارِضَ «بارانويا»، لا مُلْتَفتينَ إلى أنَّ هذا التَّشْخيصَ قد يَشي لَدَيهِم بـ«دالتونيسم»، (عمى ألوان)، يُحاكي في تَمَكُّنِهِ ذلك الأمَلَ الذي قالَ فيهِ صاحِبُهُ إنَّه «لا شِفاءَ مِنْه».

[عَوْدٌ على بَدْء]