اسْتَوْقَفَتْني في حياة الأمِسِ مَقالَةُ رندة تقي الدين «مَصادِرُ فَرَنْسِيَّة تَعْتَبِرُ "حِزْبَ اللَّـهِ" مُتَعَقِّلاً وتَتَوَقَّعُ فَصْلًا بَيْنَ "حِزْبَيْن"».

 

بالطَّبْعِ، لا يَعْنيني أنْ أُشْغِلَ بالي بِتَخْمينِ طَبيعَةِ هذه الـمَصادِرِ أو وَظيفَتِها في الهَرَمِيَّةِ الفَرَنْسِيَّةِ ذَلِكَ أنَّ تَوَقُّعَها، أو ما تُسَمّيهِ صاحِبَةُ المَقالَةِ تَوَقُّعًا، يَدُلُّ عَلَيْها بالسَّبابَة... هي تَنْتَمي، هذهِ الـمَصادِرُ، على وَجْهِ القَطْعِ واليقينِ، إلى الجيلِ الثّاني مِنْ فَصيلَةِ أُولَئِكَ الذين بَشَّروا، ذات حينٍ، بأنَّ حِزْبَ اللَّـهِ، شَأنَ سِواهُ مِنَ «الحَرَكاتٍ الثَّوْرِيَّةٍ» مُقْبِلٌ عاجِلًا أمْ آجِلًا على التَّخَلّي عَنِ الثَّورَةِ، وعلى تَدْجينِ نَفْسِهِ من خِلالِ الانْدِماجِ الطَّوْعِيِّ في «الدَّوْلَةِ» ومؤسَّساتِها... وخابَتْ بِشارَتُهُم...

 

بِخِلافِ الجيلِ الأوَّلِ ذاكَ الذي ثَبُتَ بِكَثيرٍ مِنَ الوجوهِ، وإنما بـ«الوَجْهِ السّوريِّ»، على نَحْوٍ خاصٍّ، فَسادُ رأيِهِ في احْتِمالاتِ تَطَوُّرِ حِزْبِ اللَّـه، يُسَلِّمُ الجيلُ الثّاني بأنَّ حِزْبَ اللَّـهِ لَيْسَ مُقْبِلًا على التَّخَلّي عَنِ «الثَّورَةِ» بَيْدَ أنَّ هذا التَّسْليمَ لا يَحولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يَتَحَرّى لَهُ، لِحِزْبِ اللَّـهِ، أسْبابًا تَخْفيفيَّةً يُتَغاضَى مَعَها عَن اسْتيلائِهِ على لبنانَ، ومِنْ هذهِ الأسْبابِ التَّخْفيفيَّةِ البِناءُ على تَوَهُّماتٍ مِنْ قَبيلِ «أنْ يَتَحَوَّلَ "حِزْبُ اللَّـهِ" إلى "حِزْبِ اللَّـه" لبنانيٍّ و"حِزْبِ اللَّـه" سوريٍّ»، على ما يَأْتي في المَقالَةِ إيّاها ــ وكأنَّ اسْتيلاءَ حِزْبِ اللَّـهِ على لُبنانَ لَيْسَ الشَّرْطَ المَشْروطَ لِتَمَدُّدِهِ إلى سوريا ولِتَناسُلِهِ في سوريا وفي سِواها... 

 

على غَيْرِ عَناءٍ يُذَكِّرُني هذا المَنْطِقُ بِكَلامٍ سَمِعْتُهُ، بأُذُنَـيَّ الاثْنَيْنِ، لأسابيعَ خَلَتْ، في دارَةٍ مُنيفَةٍ، في ضاحية بَهيجَةٍ مِنْ ضواحي بيروت، على لِسانِ صاحِبِ الدّارَةِ تِلْكَ: «في مَ الإصْرارُ على الضَّرْبِ عُرْضَ الحائِطِ بمنافِعِ السَّلامِ الإيراني (ݒاكسا إيرانيكا)؟».

 

أفْعَلُ، ويُغْريني التَّذَكُّرُ بأنْ تَذْهَبَ بِيَ مَذاهِبُ الظَّنِّ إلى أنَّ تَمَحُّلَ الأعْذارِ لِحِزْبِ اللَّـهِ عُمومًا، ولاسْتيلائِهِ على لبنانَ خُصوصًا، (جناح سياسيّ/جناح عَسْكَرِي، حِزْب اللَّـه لبنان/ حِزْب اللَّـه سوريا...) باتَ عِلْمًا لُدْنِيًّا شُيوخُهُ ديبلوماسِيُّونَ و«أجْهِزَةٌ» ودُعاتُهُ «مَصادِر»...

[عَوْدٌ على بَدْء]